مصحف یاقوت الشریف

شهد القرن السابع الهجری (القرن الثالث عشر المیلادی) انعطافة مهمة فی الحرکة العلمیة والثقافیة فی البلاد الإسلامیة المترامیة الأطراف فإلی جانب ظهور شخصیات أدبیة وعرفانیة من أمثال سعدی ومولانا شهدت مدینة بغداد بروز نوابغ فی مجال فن الخط مما فتح آفاقاً واسعة أمام فن الخط وأبعده عن البیئة التقلیدیة وحالة التقلید التی کانت سائدة فتحررت المناهج التعلیمیة للخط من هذه الأسالیب القدیمة، وبعد ما یقرب من خمسة قرون من ظهور ابن مقلة وابن باب اللذین یعتبران من الروّاد الأساسیین فی مجال الخط الإسلامی؛ ظهر یاقوت المستعصمی لیوجد من خلال الإبداع والتجدید فی فن الخط (وخاصة خط النسخ) تحولاً جذریاً فی هذا الفن، فمن خلال الجهود التی بذلها دخلت الکثیر من الأمور التفصیلیة والأسرار التی کانت تکتنف عملیة تقلیم أقلام الخط وفن الخط عموماً إلی المناهج التعلیمیة مما فتح الباب واسعاً أمام الکفاءات الفنیة التی أخذت تمارس فن الخط.

لقد کان یاقوت یعمل فی البلاط العباسی وتدرب علی ید أساتذة من أمثال عبد المؤمن والشیخ حبیب، وقد برع فی الخطوط الستة المعروفة وأوصل کل من خط الثلث والریحان إلی مستوی الکمال، وقد حصل علی لقب (قبلة الکتاب) عن جدارة، ولم تتوقف أعماله الفنیة عند حدود جهاز الخلافة العباسیة بل ترک أعمالاً قیمة تدل علی میوله القلبیة ومنها دیوان سعدی والصحیفة السجادیة، هذا وقد طلب منه امبراطور الهند حینها (محمد شاه) أن یخط له کتاب الشفاء لابن سیناء، وکانت تُدفع له ولأعماله مسکوکة ذهبیة عن کل سطر یکتبه، ویمثل اقتناء صفحة واحدة من أعماله مدعاة للفخر والإعتزاز لدی المتاحف والمکتبات وخزائن السلاطین، لقد اشتهر یاقوت المستعصمی بسرعته الفائقة فی إنجاز العمل وفی تعلیمه الخط، وقد نقل عنه أنه کان ینتهی من کتابة جزأین من القرآن فی الیوم الواحد ویکتب نسختین من المصحف فی الشهر الواحد وکان یدوّن رقم کل نسخة فی آخرها وقد نسب إلیه حوالی ثلاثمائة وأربعة وستون مصحفاً.

والمصحف الموجود وعلی الرغم من إنه لا یحمل توقیعاً ولا رسالة ختامیة بخط یاقوت إلا أن الأساتذة والخبراء فی هذا المجال ینسبونه إلیه ، والنسخة الخطیة هذه ووفقاً للنص الختامی (بدت ناقصة بسبب تقادم الأیام وتعاقب الأیادی التی استعملتها) من هنا وبعد سنوات من رحیل الخطاط قام عبد الله النامی بإعادة احیاءها واستکمالها، لکن تاریخ کتابة النسخة وإعادة احیاءها غیر معروف تماماً، وتمثل هذه النسخة حالیاً جزء من المجموعة الشخصیة للدکتور محمد صادق خرازی وقد کتبت بخط النسخ وهی لا تحتوی علی الترجمة وتضم بالمجموع خمسمائة وثلاث عشر صفحة وتحتوی کل صفحة علی خمسة عشر سطرا، ومن میزات هذه النسخة أنها تضم 114 مقدمة للسور تختلف کل واحدة منها عن الأخری، وقد تم تصمیمها بکل جمالیة وإبداع، هذا إلی جانب التیجان الصغیرة الخاصة بترقیم الآیات فی الحواشی والتی تم رسمها بکل جمالیة وإبداع، وهو ما یمثل جانباً آخراً لنفاسة هذه النسخة الفاخرة.

لقد تم طباعة هذه النسخة الشریفة عام 2010 تحت إشراف مؤسسة (الفن العظیم) الثقافیة وبالتعاون مع شرکة راش (Rasch) للطباعة فی ألمانیا وقد تمت طباعتها بأحدث التقنیات الطباعیة، وباستخدام تقنیة (Facsimile) مع المحافظة علی جمیع الخصوصیات التی تتمتع بها النسخة المخطوطة.