مصحف نور الشریف

لا تزال عملیة کتابة القرآن الکریم وزخرفته وطباعته تمثل أهم المجالات لتطویر وإزدهار الفن الوطنی لدی الإیرانیین وقد بلغت فنون الکتابة بمختلف مجالاتها سواء فیما یتعلق بتصمیم الکتب أو إعداده قمم الإزدهار فی ظل القرآن وکلام الوحی.

إن أحد ثمار هذا العمل الدینی – الفنی فی إیران تمثل فی (مصحف نور الشریف) الذی خضع لأحدث التقنیات الطباعیة فی ألمانیا بعد ثمانیة أعوام من المتابعة والتدقیق الشدید حتی أینع وتم تقدیمه للمجتمع الفنی فی البلد، وقد جاء فی آخر سطر من هذا القرآن وبخط المحقق الجلی ما یلی: (کتبه الفقیر المذنب نور الدین محمد) وهو ما یدل علی أن عملیة کتابة القرآن ونوع الورق المستخدم فیه وکذلک طریقة تذهیبه تمت بإشراف من الخطاط (نور الدین محمد الإصفهانی) والذی ترک أعمالاً قیمة خلال النصف الثانی من القرن العاشر (القرن السادس عشر المیلادی) وقد جاءت تسمیة النسخة المطبوعة من القرآن استناداً لاسم کاتبه (نور الدین محمد) کما أطلق علیه اسم مصحف النور وذلک لوصف کلام الله تعالی أیضاً فهل هناک صفة تلیق به أکثر من صفة النور.

یعتبر مصحف نور الشریف وخلافاً لسائر النماذج الباقیة عبر الزمن؛ المصحف الوحید الذی وصل إلینا بشکل کامل وبخط المحقق، وهو بمثابة صفحة مشرقة من الفن الشیعی فی هذه البلاد، لقد قام نواب شاه بتقدیم هذه النسخة المخطوطة من المصحف الشریف کهدیة إلی نجله وذلک بتاریخ السابع والعشرین من شهر شوال عام 1026 للهجرة (القرن السادس عشر المیلادی).

لقد تمت کتابة دعاء ختم القرآن ورسالة الفأل الختامیة لمصحف نور الشریف بخط النستعلیق وبأرضیة من التذهیب الرائع والذی یشیر إلی إبداع الفنانون الشیعة البارعون فی العهد الصفوی، وتعتبر الصفحات الأربع الأولی من القرآن التی تم تذهیبها بشکل کامل من أرقی النماذج التی ظهرت فی ذلک العصر وذلک من ناحیة التصمیم الرائع والمدهش والمعقد فی نفس الوقت والذی تمیز به النص والحواشی.

لقد بدأت عملیة التخطیط والإعداد لطباعة مصحف النور فی مدینة کولن فی ألمانیا فقد تم طباعتها علی الشرائح الفتوغرافیة ومن ثم وبمساعدة أفضل المصورین فی مدینة (کوبلنز) الألمانیة تم تصویر هذه الشرائح وإعداد ملف رقمی خاص لها، ونظراً للظروف التی تحیط بالمطابع وضرورة المحافظة علی حرمة ومکانة القرآن فقد اختارت الإدارة الفنیة للمشروع خمسة مطابع ألمانیة لتنفیذ هذا المشروع وأخذت منها عینات من الطباعة التی تقدمها، ومن أجل ترمیم الورق القدیم للمصحف فقد تم أوکل إلی الشرکات المصنعة للورق إعداد نوع خاص من الورق بوزن 115 غراماً وبلون البنی الفاتح الذی تحتوی علی کمیة من الحمض المضاد، کما طُلب من شرکة (ٍEpple) لصناعة الأصباغ إنتاج اللون الذهبی الخاص بطباعة النسخ المخطوطة بشکل دقیق ومطابق للأصل.

بالتزامن مع عملیة الطباعة تم تصمیم الغلاف طبقاً لنموذج الغلاف القدیم وقد تم إعداد غلاف مصحف نور من جلد الماعز المدبوغ باللون البنی الکامل وبأطراف مطویة مطابقة تماماً للغلاف القدیم ومع نتوءات فی السطح وخلفیة مذهبة وکتیبة علی أطرافه بالإضافة إلی حاشیة مقعرة مع زخرفة أسلیمیة وزهرة شجیرات بارزة، وتم إنجازه بأسلوب وصل القطع الملائم للجلود وبإضافة رقائق الذهب والذی أضفی علیه حالة من القدم والعتاقة لیکون أفضل نموذج للأغلفة الجلدیة الإیرانیة المعاصرة وأقربها إلی النسخ الأصلیة (یعتبر غلاف مصحف نور الشریف فی الوقت الحاضر الأکثر کلفة بین أغلفة النسخ القرآنیة المطبوعة فی البلد).

وتجدر الإشارة إلی أنه ومن أجل الإطمئنان إلی صحة القرآن وسلامته من الناحیة الفنیة فقد تمت الإستعانة بالأساتذة والباحثین فی مجال القرآن والنصوص القرآنیة لدراسة هذه النسخة وتصحیحها وذلک لعدة مرات.

رأی الأستاذ محمود فرشتشیان فی هذا المصحف الشریف:

لقد أوجد الخط غیر العادی فی مصحف نور الشریف إلی جانب عملیة التذهیب المفصلة والمزخرفة فی جمیع صفحاته وکذلک مظهره الرائع؛ أوجد مجموعة تشع بالنور الحقیقی، یمثل مصحف نور الشریف مثالاً لإبداع الفنانین المتفوقین علی عصرهم وخلاصة لتسعة قرون من فن الخط والتذهیب فی هذه البلاد، إن أهم ما یمیز هذا العمل هو کتابته بخط المحقق مع أقل عدد من الأخطاء الإملائیة والتی تدل علی المستوی العلمی الذی کان یتمتع به الخطاط.